الأحد، 5 فبراير 2012

حيرة عالم .......حياة البرزخ.تربيه النفس........الابطاء فى الاجابه.

فصل علة الإبطاء في الإجابة
رأيت من البلاء العجاب أن المؤمن يدعو فلا يجاب فيكرر الدعاء وتطول المدة ولا يرى أثراً وما يعرض للنفس من الوسواس في تأخير الجواب مرض يحتاج إلى طب‏.‏
ولقد عرض لي من هذا الجنس‏.‏
فإنه نزلت بي نازلة‏.‏
فدعوت وبالغت فلم أر الإجابة فأخذ إبليس يجول في حلبات كيده‏.‏
فتارة يقول‏:‏ الكرم واسع والبخل معدوم فما فائدة تأخير الجواب‏.‏
فقلت‏:‏ إخسأ يا لعين فما أحتاج إلى تقاضي ولا أرضاك وكيلاً‏.‏
ثم عدت إلى نفسي فقلت‏:‏ إياك ومساكنة وسوسته فإنه لو لم يكن في تأخير الإجابة إلا أن يبلوك المقدر في محاربة العدو لكفي في الحكمة‏.‏
قالت‏:‏ فسلني عن تأخير الإجابة في مثل هذه النازلة‏.‏
فقلت‏:‏ قد ثبت بالبرهان أن الله عز وجل مالك وللمالك التصرف بالمنع والعطاء فلا وجه للاعتراض عليه‏.‏
والثاني‏:‏ أنه قد ثبتت حكمته بالأدلة القاطعة فربما رأيت الشيء مصلحة والحق أن الحكمة لا تقتضيه وقد يخفى وجه الحكمة فيما يفعله الطبيب من أشياء تؤذي في الظاهر بقصد بها المصلحة فلعل هذا من ذاك‏.‏
والثالث‏:‏ أنه قد يكون التأخير مصلحة والاستعجال مضرة وقد قال النبي صلى الله عليه والرابع‏:‏ أنه قد يكون امتناع الإجابة لآفة فيك فربما يكون في مأكولك شبهة أو قلبك وقت الدعاء في غفلة أو تزاد عقوبتك في منع حاجتك لذنب ما صدقت في التوبة منه‏.‏
فابحثي عن بعض هذه الأسباب لعلك توقنين بالمقصود كما روي عن أبي يزيد رضي الله عنه‏:‏ أنه نزل بعض الأعاجم في داره فجاء فرآه فوقف بباب الدار وأمر بعض أصحابه فدخل فقلع طيناً جديداً قد طينه فقام الأعجمي وخرج‏.‏
فسئل أبو يزيد عن ذلك فقال‏:‏ هذا الطين من وجه فيه شبهة فلما زالت الشبهة زال صاحبها‏.‏
وعن إبراهيم الخواص رحمة الله عليه أنه خرج لإنكار منكر فنبحه كلب له فمنعه أن يمضي فعاد ودخل المسجد وصلى ثم خرج فبصبص الكلب له فمضى وأنكر فزال المنكر‏.‏
فسئل عن تلك الحال فقال‏:‏ كان عندي منكر فمنعني الكلب فلما عدت تبت من ذلك فكان ما رأيتم‏.‏
والخامس‏:‏ أنه ينبغي أن يقع البحث عن مقصودك بهذا المطلوب فربما كان في حصوله زيادة إثم أو تأخير عن مرتبة خير فكان المنع أصلح‏.‏
وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الله الغزو فهتف به هاتف‏:‏ إنك إن غزوت أسرت والسادس‏:‏ أنه ربما كان فقد ما تفقدينه سبباً للوقوف على الباب واللجأ وحصوله سبباً للاشتغال به عن المسؤول‏.‏
وهذا الظاهر بدليل أنه لولا هذه النازلة ما رأيناك على باب اللجأ‏.‏
فالحق عز وجل علم من الخلق اشتغالهم بالبر عنه فلذعهم في خلال النعم بعوارض تدفعهم إلى بابه يستغيثون به فهذا من النعم في طي البلاء‏.‏
وإنما البلاء المحض ما يشغلك عنه فأما ما يقيمك بين يديه ففيه جمالك‏.‏
وقد حكي عن يحيى البكاء أنه رأى ربه عز وجل في المنام فقال‏:‏ يا رب كم أدعوك ولا تجيبني فقال‏:‏ يا يحيى إني أحب أن أسمع صوتك‏.‏
وإذا تدبرت هذه الأشياء تشاغلت بما هو أنفع لك من حصول ما فاتك من رفع خلل أو اعتذار من زلل أو وقوف على الباب إلى رب الأرباب‏.‏
فصل تربية النفس
تأملت جهاد النفس فرأيته أعظم الجهاد ورأيت خلقاً من العلماء والزهاد لا يفهمون معناه لأن فيهم من منعها حظوظها على الإطلاق وذلك غلط من وجهين‏.‏
أحدهما‏:‏ أنه رب مانع لها شهوة أعطاها بالمنع أوفى منها‏.‏
مثل أن يمنعها مباحاً فيشتهر بمنعه إياها ذلك فترضى النفس بالمنع لأنها قد استبدلت به المدح‏.‏
وأخفى من ذلك أن يرى - بمنعه إياها ما منع - أنه قد فضل من سواه ممن لم يمنعها ذلك وهذه دفائن تحتاج إلى منقاش فهم يخلصها‏.‏
والوجه الثاني‏:‏ أننا قد كلفنا حفظها ومن أسباب حفظها ميلها إلى الأشياء التي تقيمها فلا بد من إعطائها ما يقيمها وأكثر ذلك أو كله مما تشتهيه‏.‏
ونحن كالوكلاء في حفظها‏.‏
لأنها ليست لنا بل هي وديعة عندنا فمنعها حقوقها على الإطلاق خطر‏.‏
ثم رب شد أوجب استرخاء ورب مضيق على نفسه فرت منه فصعب عليه تلافيها‏.‏
وإنما الجهاد لها كجهاد المريض العاقل يحملها على مكروهها في تناول ما ترجو به العافية ويذوب في المرارة قليلاً من الحلاوة ويتناول من الأغذية مقدار ما يصفه الطبيب‏.‏
ولا تحمله شهوته على موافقة غرضها من مطعم ربما جر جوعاً ومن لقمة ربما حرمت لقمات‏.‏
فكذلك المؤمن العاقل لا يترك لجامها ولا يهمل مقودها - بل يرخي لها في وقت والطول بيده‏.‏
فما دامت على الجادة لم يضايقها في التضييق عليها‏.‏
فإذا رآها قد مالت ردها باللطف فإن ونت وأبت فبالعنف‏.‏
ويحبسها في مقام المداراة كالزوجة التي مبني عقلها على الضعف والقلة فهي تدارى عند نشوزها بالوعظ فإن لم تصلح فبالهجر فإن لم تستقم فبالضرب‏.‏
وليس في سياط التأديب أجود من سوط عزم‏.‏
هذه مجاهدة من حيث العمل فأما من حيث وعظها وتأنيبها فينبغي لمن رآها تسكن للخلق وتتعرض بالدناءة من الأخلاق أن يعرفها تعظيم خالقها لها فيقول‏:‏ ألست التي قال فيك‏:‏ خلقتك بيدي وأسجدت لك ملائكتي وارتضاك للخلافة في أرضه وراسلك واقترض منك واشترى‏.‏
فإن رآها تتكبر قال لها‏:‏ هل أنت إلا قطرة من ماء مهين تقتلك شرقة وتؤلمك بقة‏.‏
وإن رأى تقصيرها عرفها حق الموالي على العبيد‏.‏
وإن ونت في العمل حدثها بجزيل الأجر‏.‏
وإن مالت إلى الهوى خوفها عظيم الوزر ثم يحذرها عاجل العقوبة الحسية كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُم وَأَبْصَارَكُمْ ‏"‏ والمعنوية كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتَي الّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرضِ بِغَيرِ الْحَقِّ ‏"‏‏.‏
فهذا جهاد بالقول وذاك جهاد بالفعل‏.‏
فصل حياة البرزخ
قد أشكل على الناس أمر النفس وماهيتها مع إجماعهم على وجودها ولا يضر الجهل بذاتها ثم أشكل عليهم مصيرها بعد الموت ومذهب أهل الحق أن لها وجوداً بعد موتها وأنها تنعم وتعذب‏.‏
قال أحمد بن حنبل أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار‏.‏
وقد جاء في أحاديث الشهداء‏:‏ أنها في حواصل طير خضر تعلق من شجر الجنة‏.‏
وقد أخذ بعض الجهلة بظواهر أحاديث النعيم فقال‏:‏ إن الموتى يأكلون في القبور وينكحون‏.‏
والصواب من ذلك أن النفس تخرج بعد الموت إلى نعيم أو عذاب وأنها تجد ذلك إلى يوم القيامة‏.‏
فإذا كانت القيامة أعيدت إلى الجسد ليتكامل لها التنعم بالوسائط وقوله - في حواصل طير خضر - دليل على أن النفوس لا تنال لذة إلا بواسطة‏.‏
إلا أن تلك اللذة لذة مطعم أو مشرب فأما لذات المعارف والعلوم فيجوز أن تنالها بذاتها مع عدم الوسائط‏.‏
والمقصود من هذا المذكور أني رأيت بعض الانزعاج من الموت وملاحظة النفس بعين العدم عنده فقلت لها‏:‏ إن كنت مصدقة للشريعة فقد أخبرت بما تعرفين ولا وجه للإنكار‏.‏
وإن كانت هناك ريب في أخبار الشريعة صار الكلام في بيان صحة الشريعة‏.‏
فقالت‏:‏ لا ريب عندي قلت‏:‏ فاجتهدي في تصحيح الإيمان وتحقيق التقوى وأبشري حينئذ بالراحة من ساعة الموت‏.‏
فإني لا أخاف عليك إلا من التقصير في العمل‏.‏
واعلمي أن تفاوت النعيم بمقدار درجات الفضائل فارتفعي بأجنحة الجد إلى أعلى أبراجها واحذري من قانص هوى أو شرك غرة والله الموفق‏.‏
 
فصل حيرة عالم
قلت يوماً في مجلسي‏:‏ لو أن الجبال حملت ما حملت لعجزت‏.‏
فلما عدت إلى منزلي قالت لي النفس‏:‏ كيف قلت هذا وربما أوهم الناس أن بك بلاء وأنت في عافية في نفسك وأهلك‏!‏‏!‏‏.‏
وهل الذي حمل إلا التكليف الذي يحمله الخلق كلهم فما وجه هذه الشكوى‏.‏
فأجبتها‏:‏ إني لما عجزت عما حملت قلت هذه الكلمة لا على سبيل الشكوى‏.‏
ولكن للاسترواح‏.‏
وقد قال كثير من الصحابة والتابعين قبلي‏:‏ ليتنا لم نخلق‏!‏‏.‏
ثم من ظن أن التكاليف سهلة فما عرفها‏.‏
أترى يظن الظان أن التكاليف غسل الأعضاء برطل من الماء أو الوقوف في محراب لأداء ركعتين هيهات‏!‏ هذا أسهل التكليف‏.‏
وإن التكليف هو الذي عجزت عنه الجبال ومن جملته‏:‏ أنني إذا رأيت القدر يجري بما لا يفهمه العقل ألزمت العقل الإذعان للمقدر فكان من أصعب التكليف‏.‏
وخصوصاً فيما لا يعلم العقل معناه كإيلام الأطفال وذبح الحيوان مع الاعتقاد بأن المقدر لذلك والآمر به أرحم الراحمين‏.‏
فهذا مما يتحير العقل فيه فيكون تكليفه التسليم وترك الاعتراض‏.‏
فكم بين تكليف البدن وتكليف العقل‏.‏
ولو شرحت هذا لطال غير أني أعتذر عما قلته فأقول عن نفسي وما يلزمني حال غيري‏.‏
إني رجل حبب إلي العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به ثم لم يحبب إلي فن واحد منه بل فنونه كلها‏.‏
ثم لا تقتصر همتي في فن على بعضه بل أروم استقصاءه‏.‏
والزمان لا يسع والعمر أضيق والشوق يقوى والعجز يظهر فيبقى وقوف بعض المطلوبات ثم إن العلم دلني على معرفة المعبود وحثني على خدمته‏.‏
ثم صاحت بي الأدلة عليه إليه فوقفت بين يديه فرأيته في نعته وعرفته بصفاته‏.‏
وعاينت بصيرتي من ألطافه ما دعاني إلى الهيمان في محبته وحركني إلى التخلي لخدمته‏.‏
وصار يملكني أمر كالوجد كلما ذكرته فعادت خلوتي في خدمتي له أحلى عندي من كل حلاوة‏.‏
فكلما ملت إلى الانقطاع عن الشواغل إلى الخلوة صاح بي العلم أين تمضي‏.‏
أتعرض عني وأنا سبب معرفتك به‏.‏
فأقول له‏:‏ إنما كنت دليلاً وبعد الوصول يستغنى عن الدليل‏.‏
قال‏:‏ هيهات‏!‏ كلما زدت زادت معرفتك بمحبوبك وفهمت كيف القرب منه‏.‏
ودليل هذا أنك تعلم غداً أنك اليوم في نقصان‏.‏
أو ما تسمعه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ‏"‏‏.‏
ثم ألست تبغي القرب منه فاشتغل بدلالة عباده عليه فهي حالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام‏.‏
أما علمت أنهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبد لعلمهم أن ذلك آثر عند حبيبهم‏.‏
أما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه‏:‏ لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حمر النعم‏.‏
فلما فهمت صدق هذه المقالة تهوست على تلك الحالة وكلما تشاغلت بجمع الناس تفرق همي‏.‏
وإذا وجدت مرادي من نفعهم ضعفت أنا فأبقى في حيز التحير متردداً لا أدري على أي القدمين أعتمد‏.‏
فإذا وقفت متحيراً صاح العلم‏:‏ قم لكسب العيال وادأب في تحصيل ولد بذكر الله فإذا شرعت في ذلك قلص ضرع الدنيا وقت الحلب ورأيت باب المعاش مسدوداً في وجهي‏.‏
لأن صناعة العلم شغلتني عن تعلم صناعة‏.‏
فإذا التفت إلى أبناء الدنيا رأيتهم لا يبيعون شيئاً من سلعها إلا بدين المشتري‏.‏
وليت من نافقهم أو راءاهم نال من ديناهم بل ربما ذهب دينه ولم يحصل مراده‏.‏
فإن قال الضجر‏:‏ اهرب‏.‏
قال الشرع‏:‏ كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت‏.‏
وإن قال العزم‏:‏ انفرد قال‏:‏ فكيف بمن تعول‏.‏
فغاية الأمر أنني أشرع في التقلل من الدنيا وقد ربيت في نعيمها وغذيت بلبانها ولطف فإذا غيرت لباسي وخشنت مطعمي لأن القوت لا يحتمل الانبساط نفر الطبع لفراق العادة فحل المرض فقطع عن واجبات وأوقع في آنات‏.‏
ومعلوم أن لين اللقمة بعد التحصيل من الوجوه المستطابة ثم تخشينها لمن لم يألف سعي في تلف النفس‏.‏
فأقول‏:‏ كيف أصنع وما الذي أفعل‏.‏
وأخلو بنفسي في خلواتي وأتزيد من البكاء على نقص حالاتي‏.‏
وأقول‏:‏ أصف حال العلماء وجسمي يضعف عن إعادة العلم‏.‏
وحال الزهاد وبدني لا يقوى على الزهد‏.‏
وحال المحبين ومخالطة الخلق تشتت همي وتنقش صور المحبوبات من الهوى في نفسي فتصدأ مرآة قلبي‏.‏
وشجرة المحبة تحتاج إلى تربية في تربة طيبة لتسقى ماء الخلوة من دولاب الفكرة‏.‏
وإن آثرت التكسب لم أطق‏.‏
وإن تعرضت لأبناء الدنيا - مع أن طبعي الأنفة من الذل وتديني يمنعني - فلا يبقى للميل مع هذين الجاذبين أثر‏.‏
ومخالطة الخلق تؤذي النفس مع الأنفاس‏!‏‏!‏‏!‏‏.‏
ولا تحقيق التوبة أقدر عليه ولا نيل مرتبة من علم أو عمل أو محبة يصح لي‏.‏
فإذاً رأيتني كما قال القائل‏:‏ ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء تحيرت في أمري وبكيت على عمري وأنادي في فلوات خلواتي بما سمعته من بعض العوام وكأنه وصف حالي‏:‏ واحسرتي كم أداري فيك تعثيري مثل الأسير بلا حبل ولا سيري ما حيلتي في الهوى قد ضاع تدبيري لما شكلت جناحي قلت لي طيري فصل طريق الفلاح تأملت أمر الدنيا والآخرة فوجدت حوادث الدنيا حسية طبعية وحوادث الآخرة إيمانية يقينية‏.‏
والحسيات أقوى جذباً لمن لم يقو علمه ويقينه‏.‏
والحوادث إنما تبقى بكثرة أسبابها فمخالطة الناس ورؤية المستحسنات والتعرض بالملذوذات يقوي حوادث الحس‏.‏
والعزلة والفكر والنظر في العلم يقوي حوادث الآخرة‏.‏
ويبين هذا بأن الإنسان إذا خرج يمشي في الأسواق ويبصر زينة الدنيا ثم دخل إلى المقابر فتفكر ورق قلبه فإنه يحس بين الحالتين فرقاً بيناً‏.‏
وسبب ذلك التعرض بأسباب الحوادث‏.‏
فعليك بالعزلة والذكر والنظر في العلم فإن العزلة حمية والفكر والعلم أدوية‏.‏
والدواء مع التخليط لا ينفع‏.‏
وقد تمكنت منك أخلاط المخالطة للخلق والتخليط في الأفعال فليس لك دواء إلا ما وصفت لك‏.‏
فأما إذا خالطت الخلق وتعرضت للشهوات ثم رمت صلاح القلب رمت الممتنع‏.‏
فصل أسباب الحرص تأملت حرص النفس على ما منعت منه فرأيت حرصها يزيد على قدر قوة المنع‏.‏
ورأيت في الشرب الأول أن آدم عليه السلام لما نهي عن الشجرة حرص عليها مع كثرة الأشجار المغنية عنها‏.‏
وفي الأمثال‏:‏ المرء حريص على ما منع وتواق إلى ما لم ينل‏.‏
وقالوا‏:‏ ما نهينا عنه إلا لشيء‏.‏
وقد قيل‏:‏ أحب شيء إلى الإنسان ما منعا فلما بحثت عن سبب ذلك وجدت سببين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن النفس لا تصبر على الحصر فإنه يكفي حصرها في صورة البدن فإذا حصرت في المعنى بمنع زاد طيشها‏.‏
ولهذا لو قعد الإنسان في بيته شهراً لم يصعب عليه‏.‏
ولو قيل له‏:‏ لا تخرج من بيتك يوماً طال عليه‏.‏
والثاني‏:‏ أنها يشق عليها الدخول تحت حكم ولهذا تستلذ الحرام ولا تكاد تستطيب المباح‏.‏
ولذلك يسهل عليها التعبد على ما ترى وتؤثره لا على ما يؤثر‏.‏
  فصل حقيقة العمل ودوافعه
ما زالت نفسي تنازعني بما يوجبه مجلس الوعظ وتوبة التائبين ورؤية الزاهدين‏.‏
إلى الزهد والانقطاع عن الخلق والانفراد بالآخرة‏.‏
فتأملت ذلك فوجدت عمومه من الشيطان فإن الشيطان يرى أنه لا يخلو لي مجلس من خلق لا يحصون يبكون ويندبون على ذنوبهم ويقوم في الغالب جماعة يتوبون ويقطعون شعور الصبا‏.‏
وربما اتفق خمسون ومائة‏.‏
ولقد تاب عندي في بعض الأيام أكثر من مائة‏.‏
وعمومهم صبيان قد نشأوا على اللعب والانهماك في المعاصي‏.‏
فكأن الشيطان لبعد غوره في الشر رآني أجتذب إلي من أجتذب منه فأراد أن يشغلني عن ذلك بما يزخرفه ليخلو هو بمن أجتذبهم من يده‏.‏
ولقد حسن إلي الانقطاع عن المجالس وقال‏:‏ لا يخلو من تصنع للخلق‏.‏
فقلت‏:‏ أما زخرفة الألفاظ وتزويقها وإخراج المعنى من مستحسن العبارة ففضيلة لا رذيلة‏.‏
وأما أن أقصد الناس بما لا يجوز في الشرع فمعاذ الله‏.‏
ثم رأيته يربني في التزهد قطع أسباب ظاهرة الإباحة - من الاكتساب‏.‏
فقلت له‏:‏ فإن طاب لي الزهد وتمكنت من العزلة فنفذ ما بيدي أو احتاج بعض عائلتي ألست أعود القهقرى‏.‏
فدعني أجمع ما يسد خلتي ويصونني عن مسألة الناس فإن مد عمري كان نعم السبب وإلا كان للعائلة‏.‏
ولا أكون كراكب أراق ماءه لرؤية سراب فلما ندم وقت الفوات لم ينتفع وإنما الصواب توطئة المضجع قبل النوم وجمع المال الساد للخلة الكبر أخذاً بالحزم‏.‏
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ لأن تترك ورثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس وقال‏:‏ نعم المال الصاح للرجل الصالح‏.‏
وأما الانقطاع فينبغي أن تكون العزلة عن الشر لا عن الخير والعزلة عن الشر واجبة على كل حال‏.‏
وأما تعليم الطالبين وهداية المريدين فإنه عبادة العالم‏.‏
وإن من تفضيل بعض العلماء إيثاره التنفل بالصلاة والصوم عن تصنيف كتاب أو تعليم علم ينفع لأن ذلك بذر يكثر ريعه ويمتد زمان نفعه‏.‏
وإنما تميل النفس إلى ما يزخرفه الشيطان من ذلك لمعنيين‏.‏
أحدهما‏:‏ حب البطالة لأن الانقطاع عندها أسهل‏.‏
والثاني‏:‏ حب المدحة فإنها إذا توسمت بالزهد كان ميل العوام إليها أكثر‏.‏
فعليك بالنظر في الشرب الأول فكن مع الشرب المقدم‏.‏
وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم‏.‏
فهل نقل عن أحد منهم ما ابتدعه جهلة المتزهدين والمتصوفة من الانقطاع عن العلم والانفراد عن الخلق‏.‏
إلا أن ينقطع من ليس بعالم بقصد الكف عن الشر فذاك في مرتبة المحتمي يخاف شر التخليط
فأما الطيب العالم بما يتناول فإنه ينتفع بما يناله‏.‏
  فصل بين العلم والعمل
تأملت المراد من الخلق فإذا هو الذل واعتقاد التقصير والعجز‏.‏
ومثلت العلماء والزهاد العاملين صنفين فأقمت في صف العلماء مالكاً وسفيان وأبا حنيفة والشافعي وأحمد وفي صف العباد مالك بن دينار ورابعة ومعروف الكرخي وبشر بن الحارث‏.‏
فكلما جد العباد في العبادة وصاح بهم لسان الحال‏.‏
عباداتكم لا يتعداكم نفعها وإنما يتعدى نفع العلماء وهم ورثة الأنبياء وخلفاء الله في الأرض هم الذين عليهم المعول ولهم الفضل إذا أطرقوا وانكسروا وعلموا صدق تلك الحال وجاء مالك بن دينار إلى الحسن يتعلم منه ويقول‏:‏ الحسن أستاذنا‏.‏
وإذا رأى العلماء أن لهم بالعلم فضلاً صاح لسان الحال بالعلماء‏:‏ وهل المراد من العلم إلا العمل وقال أحمد بن حنبل‏:‏ وهل يراد بالعلم إلا ما وصل إليه معروف وصح عن سفيان الثوري قال‏:‏ وددت أن يدي قطعت ولم أكتب الحديث‏.‏
وقالت أم الدرداء لرجل‏:‏ هل عملت بما علمت قال‏:‏ لا‏.‏
قالت‏:‏ فلم تستكثر من حجة الله عليك‏.‏
وقال أبو الدرداء‏:‏ ويل لمن يعلم ولم يعمل مرة وويل لمن علم ولم يعمل سبعين مرة‏.‏
وقال الفضيل‏:‏ يغفر للجاهل سبعون ذنباً‏.‏
قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد‏.‏
وجاء سفيان إلى رابعة‏:‏ فجلس بين يديها ينتفع بكلامها فدل العلماء العلم على أن المقصود منه العمل به وأنه آلة فانكسروا واعترفوا بالتقصير‏.‏
فحصل الكل على الاعتراف والذل فاستخرجت المعرفة منهم حقيقة العبودية باعترافهم فذلك هو المقصود من التكليف‏.‏
 
فصل التفكر في الله ومحبته
تأملت قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ يُحِبُّهُم وَيُحبُّونهُ ‏"‏‏.‏
فإذا النفس تأبى إثبات محبة للخالق توجب قلقاً وبيان هذا‏:‏ أن محبة الحس لا تتعدى الصور الذاتية ومحبة العلم والعمل ترى الصور المعنوية فتحبها‏.‏
فإنا نرى خلقاً يحبون أبا بكر رضي الله عنه وخلقاً يحبون علياً بن أبي طالب رضي الله عنه وقوماً يتعصبون لأحمد بن حنبل وقوماً للأشعري فيقتتلون ويبذلون النفوس في ذلك‏.‏
وليسوا ممن رأى صور القوم ولا صور القوم توجب المحبة‏.‏
ولكن لما تصورت لهم المعاني فدلتهم على كمال القوم في العلوم وقع الحب لتلك الصور التي شوهدت بأعين البصائر‏.‏
فكيف بمن صنع تلك الصور المعنوية وبذلها وكيف لا أحب من وهب لي ملذوذات حسي وعرفني ملذوذات علمي فإن التذاذي بالعلم وإدراك العلوم أولى من جميع اللذات الحسية فهو الذي علمني وخلق لي إدراكاً وهداني إلى ما أدركته‏.‏
ثم إنه يتجلى لي في كل لحظة في مخلوق جديد أراه فيه بإتقان ذلك الصنع وحسن ذلك المصنوع‏.‏
فكل محبوباتي منه وعنه وبه الحسية والمعنوية وتسهيل سبل الإدراك به والمدركات منه وكيف لا أحب من أنا به وبقائي منه وتدبيري بيده ورجوعي إليه وكل مستحسن محبوب هو صنعه وحسنه وزينه وعطف النفوس إليه‏.‏
فكذلك الكامل القدرة أحسن من المقدور والعجيب الصنعة أكمل من المصنوع ومعنى الإدراك أحلى عرفاناً من المدرك‏.‏
ولو أننا رأينا نقشاً عجيباً لاستغرقنا تعظيم النقاش وتهويل شأنه وظريف حكمته عن حب المنقوش‏.‏
وهذا مما تترقى إليه الأفكار الصافية إذا خرق نظرها الحسيات ونفذ إلى ما وراءها فحينئذ تقع محبة الخالق ضرورة‏.‏
وعلى قدر رؤية الصانع في المصنوع يقع الحب له‏.‏
فإن قوي أوجب قلقاً وشوقاً‏.‏
وإن مال بالعارف إلى مقام الهيبة أوجب خوفاً‏.‏
وإن انحرف به إلى تلمح الكرم أوجب رجاء قوياً ‏"‏ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ‏"‏‏.‏
 
فصل التسليم للحكمة العليا
تأملت حالاً عجيبة وهي أن الله سبحانه وتعالى قد بنى هذه الأجسام متقنة على قانون فدل بذلك المصنوع على كمال قدرته ولطيف حكمته‏.‏
ثم عاد فنقضها فتحيرت العقول بعد إذعانها له بالحكمة في سر ذلك الفعل‏.‏
فأعلمت أنها ستعاد للمعاد وأن هذه البنية لم تخلق إلا لتجوز في مجاز المعرفة وتتجر في موسم المعاملة فسكنت العقول لذلك‏.‏
ثم رأت أشياء من هذا الجنس أظرف منه مثل اخترام شاب ما بلغ بعض المقصود بنيانه‏.‏
وأعجب من ذلك أخذ طفل من أكف أبويه يتململان‏.‏
ولا يظهر سر سلبه والله الغني عن أخذه وهما أشد الخلق فقراً إلى بقائه‏.‏
وأظرف منه إبقاء هرم لا يدري معنى البقاء وليس له فيه إلا مجرد أذى‏.‏
ومن هذا الجنس تقتير الرزق على المؤمن الحكيم وتوسعته على الكافر الأحمق‏.‏
وفي نظائر لهذه المذكورات يتحير العقل في تعليلها فيبقى مبهوتاً‏.‏
فلم أزل أتلمح جملة التكاليف فإذا عجزت قوي العقل عن الاطلاع على حكمة ذلك وقد ثبت لها حكمة الفاعل علمت قصورها عن درك جميع المطلوب فأذعنت مقرة بالعجز‏.‏
وبذلك تؤدي مفروض تكليفها‏.‏
فلو قيل للعقل‏:‏ قد ثبت عندك حكمة الخالق بما بني أفيجوز أن ينقدح في حكمته أنه نقض لقال‏.‏
لأني عرفت بالبرهان أنه حكيم وأنا أعجز عن إدراك علله فأسلم على رغمي مقراً بعجزي‏.‏
 فصل دور المرأة في حياة الرجل
تأملت في فوائد النكاح ومعانيه وموضوعه فرأيت أن الأصل الأكبر في وضعه وجود النسل‏.‏
لأن هذا الحيوان لا يزال يتحلل ثم يختلف من المتحلل الغذاء ثم يتحلل من الأجزاء الأصلية مالا يخلفه شيء فإذا لم يكن بد من فنائه وكان المراد امتداد أزمان الدنيا جعل النسل خلفاً عن الأصل‏.‏
ولما كانت صورة النكاح تأباها النفوس الشريفة من كشف العورة وملاقاة ما لا يستحسن لنفسه جعلت الشهوة تحث عليه ليحصل المقصود‏.‏
ثم رأيت هذا المقصود الأصلي يتبعه شيء آخر وهو استفراغ هذا الماء الذي يؤذي دوام احتقانه‏.‏
فإن المني ينفصل من الهضم الرابع فهو من أصفى جوهر الغذاء وأجوده ثم يجتمع فهو أحد الذخائر للنفس فإنه تدخر - لبقائها وقوتها - الدم ثم المني ثم تدخر التفل الذي هو من أعمدة فإذا زاد اجتماع المني أقلق على نحو إقلاق البول للحاقن إلا أن إقلاقه من حيث المعنى أكثر من إقلاق البول من حيث الصورة فتوجب كثرة اجتماعه وطول احتباسه أمراضاً صعبة‏.‏
لأنه يترقى من بخاره إلى الدماغ فيؤذي وربما أحدث سمية‏.‏
ومتى كان المزاج سليماً فالطبع يطلب بروز المني إذا اجتمع كما يطلب بروز البول وقد ينحرف بعض الأمزجة فيقل اجتماعه عنده فيندر طلبه لإخراجه وإنما نتكلم عن المزاج الصحيح فأقول‏:‏ قد بينت أنه إذا وقع به احتباسه أوجب أمراضاً وجدد أفكاراً رديئة وجلب العشق والوسوسة إلى غير ذلك من الآفات‏.‏
وقد نجد صحيح المزاج يخرج ذلك إذا اجتمع وهو بعد متقلقل فكأنه الآكل الذي لا يشبع‏.‏
فبحثت عن ذلك فرأيته وقوع الخلل في المنكوح إما لدمامته وقبح منظره أو لآفة فيه أو لأنه غير مطلوب للنفس فحينئذ يخرج منه ويبقى بعضه‏.‏
فإذا أردت معرفة ما يدلك على ذلك فقس مقدار خروج المني في المحل المشتهى‏.‏
وفي المحل الذي هو دونه كالوطء بين الفخذين بالإضافة إلى الوطء في محل النكاح وكوطء البكر بالإضافة إلى وطء الثيب‏.‏
فعلم حينئذ أن تخير المنكوح يستقصي فضول المني فيحصل للنفس كمال اللذة لموضع كمال ثم قد يؤثر هذا في الولد أيضاً فإنه إذا كان من شابين قد حبسا أنفسهما عن النكاح مدى مديدة كان الولد أقوى منه من غيرهما أو من المدمن على النكاح على الأغلب‏.‏
ولهذا كره نكاح الأقارب لأنه مما يقبض النفس عن انبساطها فيتخيل الإنسان أنه ينكح بعضه ومدح نكاح الغرائب لهذا المعنى‏.‏
ومن هذا الفن يحصل كثير من المقصود من دفع هذه الفضول المؤذية بمنكوح مستجد وإن كان مستقبح الصورة ما لا يحصل به في العادة‏.‏
ومثال هذا أن الطاعم إذ امتلأ خبزاً ولحماً حيث لم يبق فيه فضل لتناول لقمة قدمت إليه الحلوى فيتناول فلو قدم أعجب منها لتناول لأن الجدة لها معنى عجيب‏.‏
وذلك أن النفس لا تميل إلى ما ألفت وتطلب غير ما عرفت ويتخايل لها في الجديد نوع مراد‏.‏
فإذا لم تجد مرادها صدفت إلى جديد آخر فكأنها قد علمت وجود غرض تام بلا كدر وهي تتخايله فيما تراه‏.‏
وفي هذا المعنى دليل مدفون على البعث لأن في خلق همته متعلقة بلا متعلق نوع عبث‏.‏
فافهم هذا‏.‏
فإذا رأت النفس عيوب ما خالطت في الدنيا عادت تطلب جديداً‏.‏
ولذلك يستحب للمرأة أن لا تبعد عن زوجها بعداً تنسيه إياها ولا تقرب منه قرباً يملها معه وكذلك يستحب ذلك له لئلا يملها أو تظهر لديه مكنونات عيوبها‏.‏
وينبغي له أن لا يطلع منها على عورة ويجتهد في أن لا يشم منها إلا طيب ريح إلى غير ذلك من الخصال التي تستعملها النساء الحكيمات فإنهن يعلمن ذلك بفطرهن من غير احتياج إلى تعليم‏.‏
فأما الجاهلات فإنهن لا ينظرن في هذا فيتعجل التفات الأزواج عنهن‏.‏
فمن أراد نجابة الولد وقضاء الوطر فليتخير المنكوح إن كان زوجة فلينظر إليها فإذا وقعت في نفسه فليتزوجها ولينظر إلى كيفية وقوعها في نفسه فإن علامة تعلق حبها بالقلب ألا يصرف الطرف عنه فإذا انصرف الطرف قلق القلب بتقاضي النظرة فهذا الغاية‏.‏
ودونه مراتب على مقاديرها يكون بلوغ الأغراض‏.‏
وإن كان جارية تشترى فلينظر إليها أبلغ من ذلك النظر ومن قدر على مناطقة المرأة أو مكالمتها بما يوجب التنبيه ثم ليرى ذلك منها فإن الحسن في الفم والعينين‏.‏
وقد نص أحمد‏:‏ على جواز أن يبصر الرجل من المرأة التي يريد نكاحها ما هو عورة يشير إلى ما يزيد على الوجه‏.‏
ومن أمكنه أن يؤخر العقد أو شراء الجارية لينظر كيف توقان قلبه فإنه لا يخفى على العاقل توقان النفس لأجل المستجد وتوقانها لأجل الحب فإذا رأى قلق الحب أقدم‏.‏
فإنه قد أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال‏:‏ أخبرنا حمد بن أحمد قال‏:‏ أخبرنا أبو نعيم قال‏:‏ حدثنا سليمان بن أحمد قال‏:‏ حدثنا عبد الجبار بن أبي عامر قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ حدثني خالد بن سلام قال‏:‏ حدثنا عطاء الخراساني قال‏:‏ مكتوب في التوراة كل تزويج على غير هوى حسرة وندامة إلى يوم القيامة‏.‏
ثم ينبغي للمتخير أن يتفرس في الأخلاق فإنها من الخفي وإن الصورة إذا خلت من المعنى كانت كخضراء الدمن‏.‏
ونجابة الولد مقصودة وفراغ النفس من الاهتمام بما حصلت من رغبات أصل عظيم يوجب إقبال القلب على المهمات‏.‏
ومن فرغ من المهمات العارضة أقبل على المهمات الأصلية‏.‏
ولهذا جاء في الحديث‏:‏ لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان‏.‏
وإذا وضع العشاء وحضرت العشاء فابدءوا بالعشاء‏.‏
فمن قدر على امرأة صالحة في الصورة والمعنى فليغمض عن عوراتها ولتجتهد هي في مراضيه من غير قرب يمل ولا بعد ينسي ولتقدم على التصنع له يحصل الغرضان منها الولد وقضاء الوطر‏.‏
ومع الاحتراز الذي أوصيت به تدوم الصحبة ويحصل الغناء بها عن غيرها‏.‏
فإن قدر على الاستكثار فأضاف إليها سواها عالماً أنه بذلك يبلغ الغرض الذي يفرغ قلبه زيادة تفريغ كان أفضل لحاله‏.‏
فإن خاف من وجود الغيرة ما يشغل القلب الذي قد اهتممنا بجمع همته أو خاف وجود مستحسنة تشغل قلبه عن ذكر الآخرة أو تطلب منه ما يوجب خروجه عن الورع فحسبه واحدة‏.‏
ويدخل فيما أوصيت به أنه يبعد في المستحسنات العفاف‏.‏
فليبالغ الواجد لهن في حفظهن وسترهن‏.‏
فإن وجد ما لا يرضيه عجل الاستبدال فإنه سبب السلو وإن قدر على الاقتصار فإن الاقتصار على الواحدة أولى فإن كانت على الغرض قنع وإن لم تكن استبدل ونكاح المرأة المحبوبة يستفرغ الماء المجتمع فيوجب نجابة الولد وتمامه وقضاء الوطر بكماله‏.‏
ومن خاف وجود الغيرة فعليه بالسراري فإنهن أقل غيرة والاستظراف لهن أمكن من وقد كان جماعة يمكنهم الجمع وكان النساء يصبرن فكان لداود عليه الصلاة والسلام مائة امرأة ولسليمان عليه الصلاة والسلام ألف امرأة وقد علم حال نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكان لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه أربع حرائر وسبع عشرة سرية وتزوج ابنه الحسن رضي الله عنه بنحو من أربعمائة إلى غير هذا مما يطول ذكره‏.‏
فافهم ما أشرت إليه تفز به إن شاء الله تعالى‏.
  فصل حلاوة الطاعة وشؤم المعصية
كل شيء خلق الله تعالى في الدنيا فهو أنموذج في الآخرة وكل شيء يجري فيها أنموذج ما يجري في الآخرة‏.‏
فأما المخلوق منها فقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء‏.‏
وهذا لأن الله تعالى شوق بنعيم وخوف بعذاب من عذاب‏.‏
فأما ما يجري في الدنيا فكل ظالم معاقب في العاجل على ظلمه قبل الآجل وكذلك كل مذنب ذنباً وهو معنى قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ‏"‏‏.‏
وربما رأى العاصي سلامة بدنه وماله فظن أن لا عقوبة وغفلته عما عوقب به عقوبة‏.‏
وربما كان العقاب العاجل معنوياً كما قال بعض أحبار بني إسرائيل‏:‏ يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني فقيل له‏:‏ كم أعاقبك وأنت لا تدري أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي‏.‏
فمن تأمل هذا الجنس من المعاقبة وجده بالمرصاد حتى قال وهب بن الورد وقد سئل‏:‏ أيجد لذة الطاعة من يعصي فقال‏:‏ ولا من هم‏.‏
فرب شخص أطلق بصره فحرم اعتبار بصيرته أو لسانه فحرمه الله صفاء قلبه أو آثر شبهة في مطعمه فأظلم سره وحرم قيام الليل وحلاوة المناجاة إلى غير ذلك‏.‏
وهذا أمر يعرفه أهل محاسبة النفس وعلى ضده يجد من يتقي الله تعالى من حسن الجزاء على التقوى عاجلاً كما في حديث أبي أمامة‏:‏ عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى‏:‏ النظرة إلى المرأة سهم مسموم من سهام الشيطان من تركه ابتغاء مرضاتي آتيته إيماناً يجد حلاوته في قلبه‏.‏
فهذه نبذة من هذا الجنس تنبه على مغفلها‏.‏
فأما المقابلة الصريحة في الظاهر فقل أن تحتبس ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ الصبحة تمنع الرزق وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه‏.‏
وقد روى المفسرون‏:‏ أن كل شخص من الأسباط جاء باثني عشر ولداً وجاء يوسف بأحد عشر بالهمة ومثل هذا إذا تأمله ذو بصيرة رأى الجزاء وفهم كما قال الفضيل‏:‏ إني لأعصي الله عز وجل فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي‏.‏
وعن عثمان النيسابوري‏:‏ أنه انقطع شسع نعله في مضيه إلى الجمعة فتعوق لإصلاحه ساعة ثم قال‏:‏ ما انقطع إلا لأني ما اغتسلت غسل الجمعة‏.‏
ومن عجائب الجزاء في الدنيا أنه لما امتدت أيدي الظلم من إخوة يوسف‏:‏ ‏"‏ وَشَرَوْهُ بِثَمَنِ بَخْسٍ ‏"‏ امتدت أكفهم بين يديه بالطلب يقولون‏:‏ ‏"‏ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ‏"‏‏.‏
ولما صبر هو يوم الهمة ملك المرأة حلالاً ولما بغت عليه بدعواها‏:‏ ‏"‏ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا ‏"‏ نطقها الحق بقولها‏:‏ ‏"‏ أَنَا رَاوَدْتُهُ ‏"‏‏.‏
ولو أن شخصاً ترك معصية لأجل الله تعالى لرأى ثمرة ذلك وكذلك إذا فعل طاعة‏.‏
وفي الحديث‏:‏ إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة أي عاملوه لزيادة الأرباح العاجلة‏.‏
ولقد رأينا من سامح نفسه بما يمنع منه الشرع طلباٍ للراحة العاجلة فانقلبت أحواله إلى التنغص العاجل وعكست عليه المقاصد‏.‏
حكى بعض المشايخ‏:‏ أنه اشترى في زمن شبابه جارية قال‏:‏ فلما ملكتها تاقت نفسي إليها فما زلت أسأل الفقهاء لعل مخلوقاً يرخص لي فكلهم قال‏:‏ لا يجوز النظر إليها بشهوة ولا لمسها ولا جماعها إلا بعد حيضها قال‏:‏ فسألتها فأخبرتني أنها اشتريت وهي حائض فقلت‏:‏ قرب الأمر فسألت الفقهاء فقالوا‏:‏ لا يعتد بهذه الحيضة حتى تحيض في ملكه قال‏:‏ فقلت لنفسي وهي شديدة التوقان لقوة الشهوة وتمكن القدرة وقرب المصاقبة‏:‏ ما تقولين فقالت الإيمان بالصبر على الجمر شئت أو أبيت فصبرت إلى أن حان ذلك فأثابني الله تعالى على ذلك الصبر بنيل ما هو أعلى منها أرفع‏.‏
  فصل بين السر والعلانية
نظرت في الأدلة على الحق سبحانه وتعالى فوجدتها أكثر من الرمل ورأيت من أعجبها أن الإنسان قد يخفي ما لا يرضاه الله عز وجل فيظهره الله سبحانه عليه ولو بعد حين وينطق الألسنة به وإن لم يشاهده الناس‏.‏
وربما أوقع صاحبه في آفة يفضحه بها بين الخلق فيكون جواباً لكل ما أخفى من الذنوب وذلك ليعلم الناس أن هنالك من يجازي على الزلل ولا ينفع من قدره وقدرته حجاب ولا استتار ولا يضاع لديه عمل‏.‏
وكذلك يخفي الإنسان الطاعة فتظهر عليه ويتحدث الناس بها وبأكثر منها حتى إنهم لا وإن قلوب الناس لتعرف حال الشخص وتحبه أو تأباه وتذمه أو تمدحه وفق ما يتحقق بينه وبين الله تعالى فإنه يكفيه كل هم ويدفع عنه كل شر‏.‏
وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق دون أن ينظر الحق إلا انعكس مقصوده وعاد حامده ذاماً‏.‏
 فصل السابقون الأولون
تأملت الأرض ومن عليها بعين فكري فرأيت خرابها أكثر من عمرانها‏.‏
ثم نظرت في المعمور منها فوجدت الكفار مستولين على أكثره ووجدت أهل الإسلام في الأرض قليلاً بالإضافة إلى الكفار‏.‏
ثم تأملت المسلمين فرأيت الأكساب قد شغلت جمهورهم عن الرازق وأعرضت بهم عن العلم الدال عليه‏.‏
فالسلطان مشغول بالأمر والنهي واللذات العارضة له ومياه أغراضه جارية لا شكر لها‏.‏
ولا يتلقاه أحد بموعظة بل بالمدحة التي تقوي عنده هوى النفس‏.‏
وإنما ينبغي أن تقاوم الأمراض بأضدادها‏.‏
كما قال عمر بن المهاجر‏:‏ قال لي عمر بن عبد العزيز‏:‏ إذ رأيتني قد حدت عن الحق فخذ وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا‏.‏
فأحوج الخلق إلى النصائح والمواعظ السلطان‏.‏
وأما جنوده فجمهورهم في سكر الهوى وزينة الدنيا وقد انضاف إلى ذلك الجهل وعدم العلم فلا يؤلمهم ذنب ولا ينزعجون من لبس حرير أو شرب خمر حتى ربما قال بعضهم‏:‏ إيش يعمل الجندي‏.‏
أيلبس القطن‏.‏
ثم أخذهم للأشياء من غير وجهها فالظلم معهم كالطبع‏.‏
وأرباب البوادي قد غمرهم الجهل وكذلك أهل القرى‏.‏
ما أكثر تقلبهم في الأنجاس وتهوينهم لأمر الصلوات وربما صلت المرأة منهن قاعدة‏.‏
ثم نظرت في التجار فرأيتهم قد غلب عليهم الحرص حتى لا يرون سوى وجوه الكسب كيف كانت وصار الربا في معاملتهم فاشياً فلا يبالي أحدهم من أين تحصل له الدنيا‏.‏
وهم في باب الزكاة مفرطون ولا يستوحشون من تركها إلا من عصم الله‏.‏
ثم نظرت في أرباب المعاش فوجدت الغش في معاملاتهم عاماً والتطفيف والبخس وهم مع هذا مغمورون بالجهل‏.‏
ورأيت عامة من له ولد يشغله ببعض هذه الأشغال طلباً للكسب قبل أن يعرف ما يجب عليه ثم نظرت في أحوال النساء فرأيتهن قليلات الدين عظيمات الجهل ما عندهم من الآخرة خبر إلا من عصم الله‏.‏
فقلت‏:‏ واعجباً فمن بقي لخدمة الله عز وجل ومعرفته‏.‏
فنظرت فإذا العلماء والمتعلمون والعباد والمتزهدون‏.‏
فتأملت العباد والمتزهدين فرأيت جمهورهم يتعبد بخير علم ويأنس إلى تعظيمه وتقبيل يده وكثرة أتباعه حتى إن أحدهم لو اضطر إلى أن يشتري حاجة من السوق لم يفعل لئلا ينكسر جاهه‏.‏
ثم تترقى بهم رتبة الناموس إلى أن لا يعودوا مريضاً ولا يشهدوا جنازة إلا أن يكون عظيم القدر عندهم‏.‏
ولا يتزاورون بل ربما ضن بعضهم على بعض بلقاء فقد صارت النواميس كالأوثان يعبدونها ولا يعلمون‏.‏
وفيهم من يقدم على الفتوى بجهل لئلا يخل بناموس التصدر ثم يعيبون العلماء لحرصهم على الدنيا ولا يعلمون أن المذموم من الدنيا ما هم فيه لا تناول المباحات‏.‏
ثم تأملت العلماء والمتعلمين‏.‏
فرأيت القليل من المتعلمين عليه أمارة النجابة لأن أمارة النجابة طلب العلم للعمل به وجمهورهم يطلب منه ما يصيره شبكة للكسب إما ليأخذ به قضاء مكان أو ليصير به قاضي بلد أو قدر ما يتميز به عن أبناء جنسه ثم يكتفي‏.‏
ثم تأملت العلماء فرأيت أكثرهم يتلاعب به الهوى ويستخدمه فهو يؤثر ما يصده العلم عنه ويقبل على ما ينهاه ولا يكاد يجب ذوق معاملة لله سبحانه وإنما همته أن يقول وحسب‏.‏
إلا أن الله لا يخلي الأرض من قائم له بالحجة جامع بين العلم والعمل‏.‏
عارف بحقوق الله تعالى خائف منه‏.‏
فذلك قطب الدنيا ومتى مات أخلف الله عوضه‏.‏
وربما لم يمت حتى يرى من يصلح للنيابة عنه في كل نائبة‏.‏
ومثل هذا لا تخلو الأرض منه‏.‏
فهو بمقام النبي في الأمة‏.‏
وهذا الذي أصفه يكون قائماً بالأصول حافظاً للحدود وربما قل علمه أو قلت معاملته‏.‏
فأما الكاملون في جميع الأدوات فيندر وجودهم فيكون في الزمان البعيد منهم واحد‏.‏
ولقد سبرت السلف كلهم فأردت أن أستخرج منهم من جمع بين العلم حتى صار من المجتهدين وبين العمل حتى صار قدوة للعابدين فلم أر أكثر من ثلاثة‏:‏ أولهم الحسن البصري وثانيهم سفيان الثوري وثالثهم أحمد بن حنبل‏.‏
وقد أفردت لأخبار كل واحد منهم كتاباً وما أنكر على من ربعهم بسعيد بن المسيب‏.‏
وإن كان في السلف سادات إلا أن أكثرهم غلب عليه فن فنقص من الآخر فمنهم من غلب عليه العلم ومنهم من غلب عليه العمل وكلا هؤلاء كان له الحظ الوافر من العلم والنصيب ولا يأس من وجود من يحذو حذوهم وإن كان الفضل بالسبق لهم‏.‏
فقد أطلع الله عز وجل الخضر على ما خفى من موسى عليهما السلام‏.‏
فخزائن الله مملوءة وعطاؤه لا يقف على شخص‏.‏
ولقد حكي لي عن ابن عقيل أنه كان يقول عن نفسه‏:‏ أنا عملت في قارب ثم كسر وهذا غلط فمن أين له فكم معجب بنفسه كشف له من غيره ما عاد يحقر نفسه على ذلك وكم من متأخر سبق متقدماً وقد قيل‏:‏ إن الليالي والأيام حاملةٌ وليس يعلم غير اللّه ما تلد فصل جهادا لهوى رأيت ميل النفس إلى الشهوات زائداً في المقدار حتى إنها إذا مالت مالت بالقلب والعقل والذهن فلا يكاد المرء ينتفع بشيء من النصح‏.‏
فصحت بها يوماً وقد مالت بكليتها إلى شهوة‏:‏ ويحك‏!‏ قفي لحظة أكلمك كلمات ثم افعلي ما بدا لك‏.‏
قالت‏:‏ قل أسمع‏.‏
قلت‏:‏ قد تقرر قلة ميلك إلى المباحات من الشهوات وأما جل ميلك فإلى المحرمات‏.‏
وأما أكشف لك عن الأمرين فربما رأيت الحلوين مرين‏.‏
أما المباحات من الشهوات فمطلقة لك ولكن طريقها صعب لأن المال قد يعجز عنها والكسب قد لا يحصل معظمها والوقت الشريف يذهب بذلك‏.‏
ثم شغل القلب بها وقت التحصيل وفي حالة الحصول وبحذر الفوات‏.‏
ثم ينغصها من النقص ما لا يخفى على مميز وإن كان مطعماً فالشبع يحدث آفات وإن كان شخصاً فالملل أو الفراق أو سوء الخلق‏.‏
ثم ألذ النكاح أكثره إيهاناً للبدن إلى غير ذلك مما يطول شرحه‏.‏
وأما المحرمات‏:‏ فتشتمل على ما أشرنا إليه من المباحات وتزيد عليها بأنها آفة العرض ومظنة عقاب الدنيا وفضيحتها وهناك وعيد الآخرة ثم الجزع كلما ذكرها التائب‏.‏
وفي قوة قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة‏.‏
ألا ترين إلى كل مغلوب بالهوى كيف يكون ذليلاً لأنه قهر‏.‏
بخلاف غالب الهوى فإنه يكون قوي القلب عزيزاً لأنه قهر‏.‏
فالحذر الحذر من رؤية المشتهى بعين الحسن كما يرى اللص لذة أخذ المال من الحرز ولا يرى بعين فكره القطع‏.‏
وليفتح عين البصيرة لتأمل العواقب واستحالة اللذة نغصة وانقلابها عن كونها لذة إما لملل أو لغيره من الآفات أو لانقطاعها بامتناع الحبيب‏.‏
فتكون المعصية الأولى كلقمة تناولها جائع فما ردت كلب الجوع بل شهت الطعام‏.‏
وليتذكر الإنسان لذة قهر الهوى مع تأمل فوائد الصبر عنه‏.‏
فمن وفق لذلك كانت سلامته قريبة منه‏.‏
 
فصل حجب العيش
خطر لي خاطر والمجلس قد طاب والقلوب قد حضرت والعيون جارية والرؤوس مطرقة والنفوس قد ندمت على تفريطها والعزائم قد نهضت لإصلاح شؤونها وألسنة اللوم تعمل في الباطل على تضييع الحزم وترك الحذر فقلت لنفسي‏:‏ ما بال هذه اليقظة لا تدوم فإني أرى النفس واليقظة في المجلس متصادقين متصافيين فإذا قمنا عن هذه التربة وقعت الغربة‏.‏
فتأملت ذلك فرأيت أن النفس ما تزال متيقظة والقلب ما يزال عارفاً غير أن القواطع كثيرة والفكر الذي ينبغي استعماله في معرفة الله سبحانه وتعالى قد كل مما يستعمل في اجتلاب الدنيا وتحصيل حوائج النفوس والقلب منغمس في ذلك والبدن أسير مستخدم‏.‏
وبينما الفكر يجول في اجتلاب الطعام والشراب والكسوة وينظر في صدد ذلك وما يدخره لغده وسنته إذا هو مهتم بخروج الفضلات المؤذية - ومنها المني - فاحتاج إلى النكاح فعلم أنه لا يصح إلا باكتساب كسب الدنيا‏.‏
فتفكر في ذلك وعمل بمقتضاه‏.‏
ثم جاء الولد فاهتم به وله وإذا الفكر عامل في أصول الدنيا وفروعها‏.‏
فإذا حضر الإنسان المجلس فإنه لا يحضر جائعاً ولا حاقناً‏.‏
بل يحضره جامعاً لهمته ناسياً ما كان من الدنيا على ذكره‏.‏
فيخلو الوعظ بالقلب فيذكره بما ألف ويجذبه بما عرف فينهض عمال القلب في زوارق عرفانه‏.‏
فيحضرون النفس إلى باب المطالبة بالتفريط ويؤاخذون الحس بما مضى من العيوب فتجري عيون الندم وتنعقد عزائم الاستدراك‏.‏
ولو أن هذه النفس خلت عن المعهودات التي وصفتها لتشاغلت بخدمة باريها‏.‏
ولو وقعت في سورة حبه لاستوحشت عن الكل شغلاً بقربه‏.‏
ولهذا اعتمد الزهاد الخلوات وتشاغلوا بقطع المعوقات وعلى قدر مجاهدتهم في ذلك نالوا من الخدمة مرادهم كما أن الحصاد على مقدار البذر‏.‏
غير أني تلمحت في هذه الحالة - دقيقة - وهو أن النفس لو دامت لها اليقظة لوقعت فيما هو شر من فوت ما فاتها‏.‏
وهو العجب بحالها والاحتقار لجنسها‏.‏
وربما ترقت بقوة علمها وعرفانها إلى دعوى‏:‏ لي وعندي وأستحق‏.‏
فتركها في حومة ذنوبها تتخبط‏.‏
فإذا وقفت على الشاطىء قامت بحق ذلة العبودية وذلك أولى لها‏.‏
هذا حكم الغالب من الخلق ولذلك شغلوا عن هذا المقام‏.‏
فمن بذر فصلح له فلا بد له من هفوة تراقبها عين الخوف بها تصح له عبوديته وتسلم له عبادته‏.‏
وإلى هذا المعنى أشار الحديث الصحيح‏:‏ ‏"‏ لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ‏"‏‏.‏
فصل من شطحات التصوف تفكرت فرأيت أن حفظ المال من المتعين وما يسميه جهلة المتزهدين توكلاً من إخراج ما في اليد ليس بالمشروع‏.‏
فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن مالك‏:‏ ‏"‏ أمسك عليك بعض مالك أو كما قال له ‏"‏‏.‏
وقال لسعد‏:‏ ‏"‏ لأن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس ‏"‏‏.‏
فإن اعترض جاهل فقال‏:‏ فقد جاء أبو بكر رضي الله عنه بكل ماله‏.‏
فالجواب أن أبا بكر فمن كان على هذه الصفة لا أذم إخراجه لماله وإنما الذم متطرق إلى من يخرج ماله ليس من أرباب المعائش‏.‏
أو يكون من أولئك إلا أنه ينقطع عن المعاش فيبقى كلا على الناس يستعطيهم ويعتقد أنه على الفتوح وقلبه متعلق بالخلق وطمعه ناشب فيهم‏.‏
ومتى حرك بابه نهض قلبه‏.‏
وقال‏:‏ رزق قد جاء‏.‏
وهذا أمر قبيح بمن يقدر به على المعاش وإن لم يقدر كان إخراج ما يملك أقبح لأنه يتعلق قلبه بما في أيدي الناس‏.‏
وربما ذل لبعضهم أو تزين له بالزهد وأقل أحواله أن يزاحم الفقراء والمكافيف والزمنى في الزكاة‏.‏
فعليك بالشرب الأول فانظر هل فيهم من فعل ما يفعله جهلة المتزهدين‏.‏
وقد أشرت في أول هذا إلى أنهم كسبوا وخلفوا الأموال فرد إلى الشرب الأول الذي لم يطرق فإنه الصافي‏.‏
واحذر من المشارع المطروقة بالآراء الفاسدة الخارجة في المعنى على الشريعة مذعنة بلسان حالها أن الشرع ناقص يحتاج إلى ما يتم به‏.‏
فإذا أهملت ذلك كان سبباً لوقوفك عن السير‏.‏
وقد رئي سلمان رضي الله عنه يحمل طعاماً على عاتقه فقيل له‏:‏ أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت‏.‏
وقال سفيان الثوري‏.‏
إذا حصلت قوت شهر فتعبد‏.‏
وقد جاء أقوام ليس عندهم سوى الدعاوي فقالوا‏:‏ هذا شك في الرازق والثقة به أولى‏.‏
فإياك وإياهم‏.‏
وربما ورد مثل هذا عن بعض صدور الزهاد من السلف فلا يعول عليه ولا يهولنك خلافهم‏.‏
فقد قال أبو بكر المروزي‏:‏ سمعت أحمد بن حنبل يرغب في النكاح‏.‏
فقلت له‏:‏ قال ابن أدهم فما تركني أتمم حتى صاح علي وقال‏:‏ أذكر لك حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتأتيني ببنيات الطريق‏.‏
واعلم وفقك الله‏:‏ أنه لو رفض الأسباب شخص يدعي التزهد‏.‏
وقال‏:‏ لا آكل ولا أشرب ولا أقوم من الشمس في الحر ولا استدفيء من البرد كان عاصياً بالإجماع‏.‏
وكذلك لو قال وله عائلة‏:‏ لا أكتسب ورزقهم على الله تعالى‏:‏ فأصابهم أذى كان آثماً‏.‏
كما قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت ‏"‏‏.‏
واعلم أن الاهتمام بالكسب يجمع الهم ويفرغ القلب ويقطع الطمع في الخلق فإن الطبع له حق يتقاضاه‏.‏
وقد بين الشرع ذلك فقال‏:‏ إن لنفسك عليك حقاً وإن لعينك عليك حقاً‏.‏
ومثال الطبع مع المريد السالك كمثل كلب لا يعرف الطارق فكل من رآه يمشي نبح عليه فإن ألقى إليه كسرة سكت عنه‏.‏
فالمراد من الاهتمام بذلك جمع الهم لا غير فافهم هذه الأصول فإن فهمها مهم‏.‏
‏.‏
 
فصل الشهوات مهلكة
تأملت في شهوات الدنيا فرأيتها مصائد هلاك وفخوخ تلف‏.‏
فمن قوي عقله على طبعه وحكم عليه يسلم ومن غلب طبعه فيا سرعة هلكته‏.‏
ولقد رأيت بعض أبناء الدنيا كان يتوق في التسري‏.‏
ثم يستعمل الحرارات المهيجة للباه فما لبث أن انحلت حرارته الغريزية وتلف‏.‏
ولم أر في شهوات النفس أسرع هلاكاً من هذه الشهوة فإنه كلما مال الإنسان إلى شخص مستحسن أوجب ذلك حركة الباه زائداً عن العادة‏.‏
وإذا رأى أحسن منه زادت الحركة وكثر خروج المني زائداً عن الأول فيفنى جوهر الحياة أسرع شيء‏.‏
وبالضد من هذا أن تكون المرأة مستقبحة فلا يوجب نكاحها خروج الفضلة المؤذية كما ينبغي فيقع التأذي بالاحتباس وقوة التوق إلى منكوح‏.‏
وكذلك المفرط في الأكل فإنه يجني على نفسه كثيراً من الجنايات والمقصر في مقدار القوت كذلك فعلمت أن أفضل الأمور أوساطها‏.‏
والدنيا مفازة فينبغي أن يكون السابق فيها العقل فمن سلم زمام راحلته إلى طبعه وهواه فيا عجلة تلفه - هذا فيما يتعلق بالبدن والدنيا - فقس عليه أمر الآخرة فافهم‏.‏
 
فصل النجاة في العلم
بلغني عن بعض زهاد زماننا أنه قدم إليه طعام فقال‏:‏ لا آكل‏.‏
فقيل له‏:‏ لم‏.‏
لأن نفسي تشتهيه وأنا منذ سنين ما بلغت نفسي ما تشتهي‏.‏
فقلت‏:‏ لقد خفيت طريق الصواب عن هذا من وجهين وسبب خفائها عدم العلم‏.‏
أما الوجه الأول‏:‏ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على هذا ولا أصحابه وقد كان عليه ودخل فرقد السبخي على الحسن وهو يأكل الفالوذج فقال‏:‏ يا فرقد ما تقول في هذا فقال لا آكله ولا أحب من أكله‏.‏
فقال الحسن‏:‏ لعاب النحل للباب البر مع سمن البقر هل يعيبه مسلم‏.‏
وجاء رجل إلى الحسن فقال‏:‏ إن لي جاراً لا يأكل الفالوذج‏.‏
فقال‏:‏ ولم قال يقول‏:‏ لا أؤدي شكره فقال‏:‏ إن جارك جاهل وهل يؤدي شكر الماء البارد‏.‏
وكان سفيان الثوري‏:‏ يحمل في سفره الفالوذج‏.‏
والحمل المشوي ويقول‏:‏ إن الدابة إذا أحسن إليها عملت‏.‏
وما حدث في الزهاد بعدهم من هذا الفن فأمور مسروقة من الرهبانية وأنا خائف من قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ لا تُحَرِّمُو طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُم ولاَ تَعْتَدُوا ‏"‏‏.‏
ولا يحفظ عن أحد من السلف الأول من الصحابة من هذا الفن شيء إلا أن يكون ذلك لعارض‏.‏
وسبب ما يروى عن ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ أنه اشتهى شيئاً فآثر به فقيراً وأعتق جاريته رميثة وقال‏:‏ إنها أحب الخلق إلي فهذا وأمثاله حسن لأنه إيثار بما هو أجود عند النفس من غيره وأكثر لها من سواه‏.‏
فأما من دام على مخالفتها على الإطلاق فإنه يعمي قلبها ويبلد خواطرها ويشتت عزائمها فيؤذيها أكثر مما ينفعها‏.‏
وقد قال إبراهيم بن أدهم‏:‏ إن القلب إذا أكره عمي وتحت مقالته سر لطيف وهو أن الله عز وجل قد وضع طبيعة الآدمي على معنى عجيب وهو أنها تختار الشيء من الشهوات مما يصلحها فتعلم باختيارها له صلاحه وصلاحها به‏.‏
وقد قال حكماء الطب‏:‏ ينبغي أن يفسح للنفس فيما تشتهي من المطاعم وإن كان فيه نوع ضرر لأنها إنما تختار ما يلائمها فإذا قمعها الزاهد في مثل هذا عاد على بدنه بالضرر‏.‏
ولولا جواذب الباطن من الطبيعة ما بقي البدن فإن الشهوة للطعام تثور فإذا وقعت الغنية بما يتناول كفت الشهوة‏.‏
فالشهوة مريد ورائد ونعم الباعث هي على مصلحة البدن‏.‏
غير أنها إذا أفرطت وقع الأذى ومتى منعت ما تريد على الإطلاق مع الأمن من فساد العاقبة عاد ذلك بفساد أحوال النفس ووهن الجسم‏.‏
واختلاف السقم الذي تتداعى به الجملة مثل أن يمنعها الماء عند اشتداد العطش والغذاء عند الجوع والجماع عند قوة الشهوة والنوم عند غلبته حتى إن المغتم إذا لم يتروح بالشكوى قتله الكمد‏.‏
فهذا أصل إذا فهمه هذا الزاهد علم أنه قد خالف طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏.‏
من حيث النقل وخالف الموضوع من حيث الحكمة‏.‏
ولا يلزم على هذا قول القائل‏:‏ فمن أين يصفو المطعم لأنه إذا لم يصف كان الترك ورعاً وإنما الكلام في المطعم الذي ليس فيه ما يؤذي في باب الورع وكان ما شرحته جواباً للقائل - ما أبلغ نفسي شهوة على الإطلاق‏.‏
والوجه الثاني‏:‏ أني أخاف على الزاهد أن تكون شهوته انقلبت إلى الترك فصار يشتهي أن لا يتناول وللنفس في هذا مكر خفي ورياء دقيق فإن سلمت من الرياء للخلق كانت الآفة من جهة تعلقها بمثل هذا الفعل وإدلالها في الباطن به فهذه مخاطرة وغلط‏.‏
وربما قال بعض الجهال‏:‏ هذا صد عن الخير والزهد‏.‏
وليس كذلك فإن الحديث قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ‏"‏‏.‏
ولا ينبغي أن يغتر بعبادة جريج ولا بتقوى ذي الحويصرة ولقد دخل المتزهدون في طرق لم يسلكها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه‏.‏
من إظهار التخشع الزائد في الحد والتنوق في تخشين الملبس وأشياء صار العوام يستحسنونها‏.‏
وصارت لأقوام كالمعاش يجتنون من أرباحها تقبيل اليد وتوفير التوقير وحراسة الناموس‏.‏
وقد كان ابن سيرين يضحك بين الناس قهقهة وإذا خلا بالليل فكأنه قتل أهل القرية‏.‏
فنسأل الله تعالى علماً نافعاً فهو الأصل فمتى حصل أوجب معرفة المعبود عز وجل وحرك إلى خدمته بمقتضى ما شرعه وأحبه وسلك بصاحبه طريق الإخلاص‏.‏
وأصل الأصول‏:‏ العلم وأنفع العلوم النظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏:‏ ‏"‏ أُولئكَ الّذِينَ هدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ......................
فصل السلامة في كتاب الله
رأيت كثيراً من الخلق وعالماً من العلماء لا ينتهون عن البحث عن أصول الأشياء التي أمر بعلم جلها من غير بحث عن حقائقها كالروح مثلاً فإن الله تعالى سترها بقوله‏:‏ ‏"‏ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ‏"‏ فلم يقنعوا وأخذوا يبحثون عن ماهيتها ولا يقعون بشيء ولا يثبت لأحد منهم برهان على ما يدعيه وكذلك العقل فإنه موجود بلا شك كما أن الروح موجودة بلا شك كلاهما يعرف بآثاره لا بحقيقة ذاته‏.‏
فإن قال قائل‏:‏ فما السر في كتم هذه الأشياء قلت‏:‏ لأن النفس ما تزال تترقى من حالة إلى حالة فلو اطلعت على هذه الأشياء لترقت إلى خالقها فكان ستر ما دونه زيادة في تعظيمه لأنه إذا كان بعض مخلوقاته لا يعلم كنهه فهو أجل وأعلى‏.‏
ولو قال قائل‏:‏ ما الصواعق وما البرق وما الزلازل‏.‏
قلنا‏:‏ شيء مزعج ويكفي‏.‏
والسر في ستر هذا أنه لو كشفت حقائقه خف مقدار تعظيمه‏.‏
ومن تلمح هذا الفصل علم أنه فصل عزيز فإذا ثبت هذا في المخلوقات فالخالق أجل وأعلى‏.‏
فينبغي أن يوقف في إثباته على دليل وجوده ثم يستدل على جواز بعثه رسله ثم تتلقى أوصافه من كتبه ورسله ولا يزاد على ذلك‏.‏
وإذا قلنا‏:‏ إنه موجود وعلمنا من كلامه أنه سميع بصير حي قادر‏.‏
كفانا هذا في صفاته ولا نخوض في شيء آخر‏.‏
وكذلك نقول‏:‏ متكلم والقرآن كلامه ولا نتكلف ما فوق ذلك‏.‏
ولم يقل السلف‏:‏ تلاوة ومتلو وقراءة ومقروء ولا قالوا‏:‏ استوى على العرش بذاته ولا قالوا‏:‏ ينزل بذاته بل أطلقوا ما ورد من غير زيادة‏.‏
ونقول‏:‏ لما لم يثبت بالدليل ما لا يجوز عليه‏.‏
وهذه كلمات كالمثال فقس عليها جميع الصفات تفز سليماً من تعطيل متخلصاً من تشبيه‏.‏
  فصل الأقدار والأسباب
من عرف جريان الأقدار ثبت لها‏.‏
وأجهل الناس بعد هذا من قاواها لأن مراد المقدر الذل له‏.‏
فإذا قاويت القدر فنلت مرادك من ذلك لم يبق لك ذل‏.‏
مثال هذا‏:‏ أن يجوع الفقير فيصبر قدر الطاقة فإذا عجز خرج إلى سؤال الخلق مستحياُ من الله كيف يسألهم‏.‏
وإن كان له عذر بالحاجة التي ألجأته غير أنه يرى أنه مغلوب الصبر فيبقى معتذراً مستحياً وذاك المراد منه‏.‏
أو ليس بخروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فلا يقدر على العود إليها حتى يدخل في فسبحان من ناط الأمور بالأسباب ليحصل ذل العارف بالحاجة إلى التسبب‏.‏...........
  فصل بين الخطأ والتوبة
من أراد دوام العافية والسلامة فليتق الله عز وجل‏.‏
فإنه ما من عبد أطلق نفسه في شيء ينافيه التقوى وإن قل إلا وجد عقوبته عاجلة أو آجلة‏.‏
ومن الاغترار أن تسيء فترى إحساناً فتظن أنك قد سومحت وتنسى‏:‏ ‏"‏ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ‏"‏‏.‏
وربما قالت النفس‏:‏ إنه يغفر فتسامحت ولا شك أنه يغفر ولكن لمن يشاء‏.‏
وأنا أشرح لك حالاً فتأمله بفكرك تعرف معنى المغفرة‏.‏
وذلك أن من هفا هفوة لم يقصدها ولم يعزم عليها قبل الفعل ولا عزم على العود بعد الفعل ثم انتبه لما فعل فاستغفر الله كان فعله وإن دخله عمداً في مقام خطأ‏.‏
مثل أن يعرض له مستحسن فيغلبه الطبع فيطلق النظر ويتشاغل في حال نظره بالتذاذ الطبع عن تلمح معنى النهي فيكون كالغائب أو كالسكران فإذا انتبه لنفسه ندم على فعله فقام الندم بغسل تلك الأوساخ التي كانت كأنها غلطة لم تقصد‏.‏
فأما المداوم على تلك النظرة المردد لها المصر عليها فكأنه في مقام متعمد للنهي مبارز بالخلاف فالعفو يبعد عنه بمقدار إصراره‏.‏
ومن البعد أن لا يرى الجزاء على ذلك كما قال ابن الجلاء‏:‏ رآني شيخي وأنا قائم أتأمل حدثاً نصرانياً ما هذا لترين غبها ولو بعد حين فنسيت القرآن بعد أربعين سنة‏.‏
واعلم أنهم من أعظم المحن الاغترار بالسلامة بعد الذنب فإن العقوبة تتأخر‏.‏
ومن أعظم العقوبة أن لا يحس الإنسان بها وأن تكون في سلب الدين وطمس القلوب وسوء الاختيار للنفس فيكون من آثارها سلامة البدن وبلوغ الأغراض‏.‏
قال بعض المعتبرين‏:‏ أطلقت نظري فيما لا يحل لي ثم كنت أنتظر العقوبة فألجئت إلى سفر طويل لا نية لي فيه فلقيت المشاق ثم أعقبت ذلك موت أعز الخلق عندي وذهاب أشياء كان لها وقع عظيم عندي ثم تلافيت أمري بالتوبة فصلح حالي‏.‏
ثم عاد الهوى فحملين على إطلاق بصري مرة أخرى فطمس قلبي وعدمت رقته واستلب فلما تأملت ما عوضت وما سلب مني صحت من ألم تلك السياط‏.‏
فها أنا أنادي من على الساحل‏:‏ إخواني احذروا لجة هذا البحر ولا تغتروا بسكونه وعليكم بالساحل ولازموا حصن التقوى فالعقوبة مرة‏.‏
واعلموا أن في ملازمة التقوى مرارات من فقد الأغراض والمشتهيات غير أنها في ضرب المثل كالحمية تعقب صحة والتخليط ربما جلب موت الفجأة‏.‏ 
وبالله لو نمتم على المزابل مع الكلاب في طلب رضى المبتلي كان قليلاً في نيل رضاه‏.‏
ولو بلغتم نهاية الأماني من أغراض الدنيا مع إعراضه عنكم كانت سلامتكم هلاكاً وعافيتكم مرضاً وصحتكم سقماً والأمر بآخره والعاقل من تلمح العواقب‏.‏ 
وصابروا رحمكم الله تعالى هجير البلاء فما أسرع زواله‏.‏
والله الموفق إذ لا حول إلا به ولا قوة إلا بفضله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق